الجصاص
223
الفصول في الأصول
أحدهما : أن كلامنا في ظاهر فعل النبي عليه السلام هل يقتضي الوجوب أم لا ؟ ولم نتكلم في المداومة ، وقد صلى النبي عليه السلام بهم ليلتين ، وأخبر مع ذلك : أنها لم تجب بفعله ، فلو كان فعله يقتضي الوجوب لكان قد وجب بأول ليلة . والثاني : قوله : خشيت أن تكتب عليكم لو داومت ، فأخبر : أنها كانت تكتب عليهم من جهة الفعل ، ولو كانت مداومته على الفعل تقتضي الوجوب لقال : لو داومت عليها لوجبت بالمداومة ، وكان لا يحتاج أن تكتب عليهم بغيرها . وقوله : ( خشيت إن تكتب عليكم ) يجوز أن يكون قد علم في مثله : أنه إذا داوم عليه كتبه الله علينا ، وأنه إذا لم يداوم لم تكتب ، فكان لزومه للفروض موقوفا على اختياره ، كما كان لزوم الخمسين صلاة أو الخمس في الليلة التي أسرى به فيها موقوفا على اختياره . ومما يدل على أن فعله ليس على الوجوب : أن أفعاله عليه السلام يعتورها معنيان : الأخذ ، والترك . فلما كان الترك غير واجب وهو أحد قسمي الفعل ، كان الأخذ مثله . والعلة الجامعة بينهما : أنه ليس في ظاهر الفعل دلالة على حكمه في نفسه ، كما أنه ليس في ظاهر الترك دلالة على حكمه في نفسه : من وجوب ، أو ندب ، أو إباحة . فوجب أن لا يتعلق وجوب الفعل علينا بوجوده ( منه لوجود المعنيين ) ) ( 1 ) فإن قيل : قد اتفقنا على أن فعله إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب ، وكذلك فعله في القضاء بين متنازعين ، والفصل بين خصمين بالقضاء لأحدهما على الآخر ، فوجب أن يكون سائر أفعاله بمثابتها . قيل له : لم يجمع بينهما فعله ، فهو سؤال ساقط . وأيضا : فإنا لا نقول : إن ورود فعله مورد البيان يقتضي الإيجاب على هذا الإطلاق ، وإنما نقول : إن ورود فعله مورد البيان يقتضي الإيجاب إذا كان بيانا للفظ يقتضي الإيجاب ، وإن ورد بيانا لما لا يقتضي الإيجاب فليس على الوجوب . وأما القضاء على أحد الخصمين على الآخر ونحوه - فإنما كان على الوجوب لأن الدلالة قد قامت على أن فعل ذلك على جهة الوجوب ، فلزمنا الاقتداء فيه . وكذلك نقول في جميع أفعال النبي عليه السلام : إن ما علمنا وجوبه عليه منها فواجب